«عندما يزداد القصف يزداد التحدي، ويُخيل الآن أن العالم سيهتز، إن بيروت تحترق، استهدفت قذيفة صاروخية ملجأ في برج البراجنة فقتلت 75 أو أكثر، الآن العالم سيهتز، شوارع الجزائر ستنزل بها المظاهرات، فإذا بنا نفاجأ أن المظاهرة كانت تنزل لفريق الجزائر الذي انتصر على ألمانيا في مونديال إسبانيا بكرة القدم»!
هكذا وصف المفكر جورج حاوي، مؤسس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية حال العالم العربي خلال الاجتياح «الإسرائيلي» لبيروت ومونديال إسبانيا لكرة القدم 1982م.
أما اليوم، فقد ساهم مونديال كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأمريكية بتوقف الحرب والتوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بدلاً من توسعها لتصبح حرباً شاملة تهدد المنطقة والعالم.
بين كأس العالم في نسخة «إسبانيا 1982م» ونسخة «أمريكا 2026م»، كيف ساهمت ساعة الحَكم في تسجيل الأهداف الأمنية والسياسية، وما الهجمة المرتدة التي حولت النصر العسكري إلى هزيمة سياسية؟
مؤامرة شارون وفضيحة خيخون
عام 1982م، أطلق الحكم التشيكوسلوفاكي فويتيش كريستوف صافرة المباراة الافتتاحية لكأس العالم بين بلجيكا والأرجنتين، وفي نفس اليوم 13 يونيو 1982م، أصدر مناحيم بيغن وأريل شارون الأوامر للجيش «الإسرائيلي» باجتياح بيروت.
بعد أيام، وتحديداً في 25 يونيو 1982م، خرجت الجماهير العربية في مظاهرات غاضبة تنديداً بالتآمر الذي مارسته ألمانيا والنمسا لإخراج الجزائر من الدور الأول للبطولة بالحادثة الشهيرة التي عُرفت لاحقاً باسم «مؤامرة خيخون».
وبينما كانت المظاهرات الوحيدة التي خرجت في الشرق الأوسط لاستنكار الاجتياح «الإسرائيلي» هي تلك التي نظمتها حركة «السلام الآن» «الإسرائيلية» للمطالبة بالانسحاب من لبنان، فقد قام الفريق الإيطالي الذي حصد اللقب بإهداء ذلك الفوز إلى لبنان تعاطفاً معه.
من إسبانيا 1982 إلى أمريكا 2026
اليوم في مونديال أمريكا 2026م تُلعب كرة القدم بأقدام اللاعبين بالنصف الغربي من الكرة الأرضية، بينما تتحكم بها أقلام اللاعبين بالأمن والسياسة في النصف الشرقي من تلك الكرة.
ومع فشل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتسجيل نصر حاسم وسريع على إيران وانتقال الحرب من النصر بالضربة القاضية إلى معركة تسجيل النقاط، باتت التهدئة والاتفاق أمراً أكثر إلحاحاً وضرورة، حفاظاً على سلامة الحدث الكروي الأبرز عالمياً من ناحية واستعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية ثانية.
المونديال الكروي يتحكم باتفاق السلام
بعد فشل الحسم السريع للحرب، واشتعال المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية لاستمرار المعارك، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه مضطراً للقبول بالهدنة والدخول بالمفاوضات مع إيران، بينما باتت «إسرائيل» منبوذة ومُهمشة.
اليوم ورغم الإعلان عن مجموعة من بنود الاتفاق الأمريكي – الإيراني، تظل بنود أخرى طي الكتمان والسرية لتكتسب أهمية قصوى في صياغة مستقبل العالم والمنطقة.
فهل تعهَّدت طهران بالتعاون الاستخباراتي والامتناع عن ترتيب ودعم أي أعمال عنف أو تخريب قد تُعكر صفو الحدث الرياضي الأبرز في العالم؟
بين اجتياح 1982 وانكفاء 2026
وبينما استغل بيغن وشارون أحداث مونديال إسبانيا لاجتياح بيروت عام 1982م، يجد اليوم بنيامين نتنياهو نفسه مهزوماً ومنبوذاً، ومضطراً لإيقاف هجومه على لبنان.
أمَّا جماهير الدول العربية والإسلامية وغيرها من الجماهير الغربية الحاضرة في مونديال 2026م فهي ترسم بقوة ملامح الهجمة المرتدة التي تصوغ رأياً عاماً يحشد التأييد والدعم لغزة والقضية الفلسطينية، ويرسِّخ عزلة الكيان الصهيوني حول العالم، ليحوِّل «نصره» العسكري وإجرامه في غزة إلى هزيمة سياسية واسعة ومؤثرة.
وهكذا تتقدم القضية الفلسطينية إلى صدارة مونديال كندا والمكسيك والولايات المتحدة 2026م بينما يتراجع الكيان الصهيوني وبنيامين نتنياهو وسط حالة من التفكك داخلياً وانهيار الشعبية غربياً وعالمياً، ليساهم كل ذلك برسم ملامح -باتت واضحة- لانهيار المشروع الصهيوني خلال المرحلة المقبلة.
