العناية النبوية بتمكين المرأة علميًا
السيدة آمنة السكافي – مديرة مركز المفتي جلال الدين الثقافي
خاص Lampress 5-5-2026
حظيت المرأة في الإسلام بمكانة سامية ومنزلة رفيعة، إذ أكرمها الله تعالى أمًّا وزوجةً وبنتًا وأختًا، ورفع شأنها، واعتنى بها عناية عظيمة، حتى أثبت للعالم أنها كيان مستقلّ له قيمته وكرامته، يتمتع بعقل واعٍ ونفس محترمة. وقد تجلّى هذا التكريم في تعاليم الإسلام متمثلاً في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أولى المرأة عناية خاصة، فاهتم بتربيتها إيمانيًا وعلميًا واجتماعيًا، وجعلها شقيقة الرجل في التكليف والمسؤولية، وفي طلب العلم والعمل والدعوة.
ولم يكن تعليم المرأة أمرًا هامشيًا في العهد النبوي، بل كان جزءًا أصيلًا من رسالة الإسلام؛ فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على وعظ النساء وتعليمهن، كما جاء في صحيح البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فصلى، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكّرهن ووعظهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء الصدقة». وهذا يدل على عنايته صلى الله عليه وسلم بتعليم النساء وتذكيرهن، وعدم الاكتفاء بخطاب الرجال فقط، بل إفرادهن بالتوجيه المناسب لهن.
كما أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم رغبة النساء في التعلّم، بل وحثّ عليها، وذلك حين قالت النساء له: «غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك»، لم يُعرض عن طلبهن، بل وعدهن بمجلس علمي مستقل ودوري لهن، يعظهن ويعلّمهن، وكان مما علّمهن قوله: «ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابًا من النار»، فقالت امرأة: واثنتين؟ قال: «واثنتين». ويكشف هذا الموقف عن حرص الصحابيات رضي الله عنهن على طلب العلم ورغبتهن في تعليمه، وهذا من فضائلهن وفضائل كل من تشبهن بهن.
وكان تعليم النساء يتم في إطار من الخصوصية التي تحفظ لهن كرامتهن، فقد كنّ يحضرن مجالس العلم بمعزل عن الرجال، كما يفهم من قوله في الحديث: «ثم أتى النساء»، مما يدل على تنظيم يراعي طبيعة المجتمع ويهيئ بيئة مناسبة للتعلم. كما ويدل على جواز سؤال طلاب العلم -ومنهم النساء- العَالِمَ أن يخصهم بيومٍ يسمعون فيه ويقرؤون عليه العلم، وضرورة إجابة العالم إلى ذلك، وجواز الإعلام بذلك المجلس للاجتماع فيه.
ولم يقتصر الاهتمام بتعليم المرأة على المجال العام، بل امتد إلى داخل الأسرة، حيث حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الأهل، إذ الأقربون أولى بالمعروف، فعن الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا تعلّمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة»، حيث يبيّن كلامه حثّه على تعليمهن القراءة والكتابة والطبابة، إذ النملة داء يسبب قروحاً في الجنب. وكذلك يدل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) على مسؤولية الرجل في تعليم أهله من الذكور والإناث على حدّ سواء ما يصلح دينهم ودنياهم، وهو توجيه يعزز دور المرأة في التعلم والتعليم داخل الأسرة وفي المجتمع.
ومن مظاهر هذا الاهتمام أيضًا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حضور النساء مجامع الخير والعلم، فقد جاء في الصحيحين عن أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى – أي جميع النساء من العواتق والحيض وذوات الخدور – فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين»، فلما قيل له: إن إحداهن لا يكون لها جلباب، وذلك لفقرهن رضي الله عنهن، قال: «لتلبسها صاحبتها من جلبابها». وهذا توجيه صريح إلى أهمية مشاركة النساء في مواطن التعليم والتوجيه مهما كانت الظروف، والتعاون على هذا الخير لما لذلك من أثر في بناء وعيهن الديني والدنيوي.
وقد أثمر هذا الحضور في تكوين ملكة علمية لدى النساء، كما يظهر في حديث أم هشام بنت حارثة رضي الله عنها، حيث قالت: «وما أخذتُ (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» رواه مسلم، مما يدل على حضور النساء مجامع الخير ومجالس العلم ومنها صلاة الجمعة حرصاً على التعلم وتحصيل مفاتيح التربية والتوجيه، وكذلك يدل الأثر على فائدة تكرار الاستماع في ترسيخ العلم وفهمه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في تعليم أهله، كما حرص على تعليم نساء المسلمين، ولم يغفل عن توجيه نسائه، بل كان يحرص على وعظهن وتعليمهن حتى ولو في الليل، كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله، ماذا أُنزل الليلة من الفتن، وماذا فُتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحُجَر، فربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» رواه البخاري. وقد أثمرت هذه العناية النبوية نساءً عالمات، في مقدمتهن أمهات المؤمنين، اللاتي حملن العلم وبلّغن السنّة، وأصبحن مرجعًا للناس، يقصدهن السائل والمستفتي وصاحب الحاجة، فيجد عندهن بغيته وتقضى حاجته.
إن الإسلام لم يكتفِ بتكريم المرأة من حيث المبدأ، بل سعى إلى تمكينها علميًا وتربويًا، وفتح لها أبواب التعلم والمشاركة، مما جعلها عنصرًا فاعلًا وشخصية مؤثرة في المجتمع، تسهم في بنائه وتطويره، وتربي أجياله على العلم والقيم والثبات.
