بقلم المفتي الشيخ الدكتور أحمد نصار
ليست أشدُّ لحظاتِ الإنسانِ تلكَ التي يعيشُها في الدنيا، فكلُّ محنةٍ أو خطبٍ أو كربٍ فيها يعقبُه فرجٌ أو موتٌ يُنهيهِ. أمَّا الكربُ الذي لا يشبهُه كربٌ، فهو ذلكَ المشهدُ العظيمُ يومَ القيامةِ، يومَ يقفُ الخلقُ جميعًا بين يدي اللهِ ربِّ العالمينَ، حفاةً عراةً غُرلًا مزدحمينَ، ينتظرونَ الفصلَ والقضاءَ؛ وقد بلغتِ القلوبُ الحناجرَ، واشتدَّ الحرُّ من الشمسِ فوقَ الرؤوسِ، وفاضَ العرقُ على الناسِ؛ كما أخبرَ الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم: (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا).
إنها صورةٌ تهزُّ القلوبَ الغافلةَ، وتوقظُ النفوسَ اللاهيةَ، وتعيدُ ترتيبَ الأولوياتِ في حياةِ المؤمنِ؛ لأنَّ من أيقنَ بذلكَ اليومِ لم تغرَّه زينةُ الدنيا، ولم يخدعْه طولُ الأملِ. إنَّ هذا الحديثَ يرسمُ أحدَ أعظمِ مشاهدِ العدالةِ الإلهيةِ؛ فالناسُ في موقفٍ واحدٍ، وتحت شمس واحدةٍ، لكنهم يتفاوتونَ تفاوتًا عظيمًا، ليس بحسبِ مناصبِهم، ولا أموالِهم، ولا أنسابِهم، وإنَّما بحسبِ أعمالِهم. فمن خفَّ ميزانُ ذنوبِهِ، وعظمَ رصيدُه من الإيمانِ والطاعةِ، خفَّ عنه الكربُ، ومن أثقلتْه المعاصي والظلمُ والغفلةُ، اشتدَّ عليه البلاءُ.
غيرَ أنَّ هذا الموقفَ المهيبَ لا يخلو من بشائرِ الرحمةِ، فقد جعلَ اللهُ لعبادٍ اصطفاهم كرامةً عظيمةً، وهي أن يُظلَّهم يومَ القيامةِ في ظلِّ عرشِهِ، وكرامتِهِ ورعايتِهِ وحمايتِهِ جلَّ جلالُه، حين يشتدُّ الحرُّ، ويعظمُ الكربُ، ولا يجدُ الناسُ مأوًى من هولِ الموقفِ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ اللهِ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ في خَلاءٍ ففاضَت عَيناه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَسجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ، ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نَفسِها، قال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه) متفق عليه.
فالصلاةُ التي يؤديها العبدُ بخشوعٍ، والصدقةُ التي يخفيها، والدمعةُ التي تفيضُ من خشيةِ اللهِ، والصدقُ في المعاملةِ، والبرُّ بالوالدينِ، وصلةُ الأرحامِ، والإحسانُ إلى الخلقِ، وكفُّ الأذى عنهم، ليست أعمالًا صغيرةً في ميزانِ الآخرةِ، بل قد تكونُ السببَ في النجاةِ من يومٍ يعظمُ فيه الكربُ.
وفي المقابلِ، فإنَّ الظلمَ، والقتلَ، والافتراءَ، وأكلَ أموالِ الناسِ بالباطلِ، والربا، والغشَّ، والخيانةَ، والتهاونَ بالفرائضِ، وإطلاقَ اللسانِ في الأعراضِ، والتساهلَ في حقوقِ العبادِ، ليست ذنوبًا عابرةً كما يتوهمُ كثيرٌ من الناسِ، بل أثقالٌ يحملُها أصحابُها إلى يومِ الحسابِ، حيثُ لا تنفعُ الحيلُ، ولا يجدي الندمُ.
إنَّ تذكُّرَ أهوالِ القيامةِ ليس دعوةً إلى اليأسِ ولا إثارةً للخوفِ فحسب، وإنَّما هو دعوةٌ للعملِ بكلِّ خيرٍ، وتربيةٌ على الاستقامةِ، فالإكثارُ من ذكرِ الآخرةِ من أعظمِ ما يزكي النفوسَ، ويبعثُ على الإخلاصِ والمحاسبةِ. فما أحوجَ المسلمَ إلى جعلِ هذا الحديثِ حاضرًا في قلبِهِ كلما دعته نفسُه إلى معصيةٍ، أو ثقلَ عليه عملٌ صالحٌ، أو أغرته الدنيا بزخارفِها، أو ركنَ إلى الظلمِ وأهلِهِ؛ فإنَّ دقائقَ الطاعةِ في الدنيا قد تكونُ سببًا في راحةٍ لا تنقطعُ، كما أنَّ لحظاتِ الغفلةِ قد تكونُ سببًا في كربٍ طويلٍ.
واللهَ نسألُ أن يثقِّلَ موازينَنا، ويخففَ عنا يومِ الدين، وأن يُظلَّنا بظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ.
