الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
أيها القراء الكرام، بعد أن خرجنا من ميادين القتال وجراح غزوة أحد في الأجزاء السابقة، يأخذنا الجزء الخامس (سورة النساء) إلى جبهة أخرى لا تقل خطورة وأهمية: جبهة البناء الداخلي للمجتمع، وساحة المحاكم، وإرساء حقوق المستضعفين.
فالمجتمع الذي يفتقر إلى العدالة الداخلية هو مجتمع مهزوم سلفا، حتى وإن حقق انتصارات عسكرية كبرى في ساحات الوغى.
المحطة الأولى: المركزية الأسرية في ميزان العدالة (فقه الإصلاح)
يبدأ الإصلاح القرآني الدقيق من أصغر وحدة بنائية في المجتمع: الأسرة.
يعالج القرآن الخلافات الزوجية بواقعية شديدة، فهو لا يدعي وجود مدينة فاضلة تخلو بيوتها من المشاكل، بل يضع منهجية وقائية وإصلاحية متدرجة، تنتهي بتدخل حكيم ومؤسسي من العائلتين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾.
الإسلام لا يسعى لهدم البيوت عند أول عثرة، بل يبحث عن إرادة الإصلاح الصادقة ليتدخل التوفيق الإلهي: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾. ويعلق العلامة الطاهر ابن عاشور على هذا السر الرباني قائلاً: “جعل الله التوفيق حليف النية الصالحة، فمتى صدقت إرادة الحَكَمين والزوجين في الإصلاح، يسَّر الله أسبابه”.
المحطة الثانية: العدالة الإنسانية المطلقة وعالمية الإسلام (أداء الأمانات)
ثم ينتقل السياق إلى أعظم آية صاغت دستور العدالة الشاملة في الإسلام: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾.
هذا التشريع تجاوز حدود الانتماء الديني لينصف البشرية جمعاء! وفي السيرة النبوية أروع تطبيق عملي لذلك؛ ففي يوم فتح مكة، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة وكان وقتها على الشرك وقد آذى المسلمين سابقا.
تخيلوا هذا المشهد المهيب: النبي ينتصر، والكل ينتظر من سيحظى بهذا الشرف العظيم، فتتنزل هذه الآية، ليقوم النبي صلى الله عليه وسلم متجردا من كل ثأر، ويرد المفتاح إلى عثمان ويقول: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء).
العدل في منهجنا ليس شعارا سياسيا يرفع للموافقين، بل هو حق إنساني مطلق يشمل حتى المخالفين. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً عظمة هذه الآية: “هذه الآية هي قوام السياسة الشرعية، فعليها ينبني أداء الحقوق والولايات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالقسط”.
المحطة الثالثة: حتمية المرجعية العليا، وخطر النفاق العملي (ضمانة الدستور ورفض الشريعة)
أي مجتمع بشري معرض للاختلاف والتنازع، ولكن ما الذي يحمي بنيانه من الفوضى؟ إنه وجود مرجعية عليا معصومة نحتكم إليها جميعا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
أمام هذا النص القرآني وصحيح السنة، يقف الحاكم والمحكوم، والغني والفقير سواسية. هذه المرجعية هي السياج الواقي للمجتمع، والضمانة الحقيقية التي تمنع الاستبداد التشريعي وتحفظ الحقوق. ويوضح الإمام ابن القيم هذه القاعدة بقوله: “أجمع العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته”.
وفي المقابل، يفتح القرآن ملفا شديد الخطورة يعري فيه المنافقين الذين يرفضون هذه المرجعية. النفاق هنا ليس مجرد التكاسل عن أداء الشعائر، بل هو الجريمة الأكبر: رفض التحاكم لشرع الله حين يتعارض مع المصالح الشخصية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا… يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾.
قد يتشدق المرء بشعارات الإيمان، فإذا جاءت قسمة الميراث أو نشب نزاع مالي، رفض حكم الله وبحث عن قانون وضعي أو حيلة يظلم بها شركاءه! هذا هو النفاق العملي الذي يفضح زيف الادعاءات. ويحذر الإمام السعدي من هذا المسلك بقوله: “فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله، فمن زعم أنه مؤمن ثم اختار التحاكم إلى غير شرع الله، فهو كاذبٌ في دعواه”.
المحطة الرابعة: فقه الاستضعاف ونجدة المظلومين (المسؤولية العالمية للأمة)
لا يقف العدل القرآني في هذا الجزء عند حدود المحاكم الداخلية، بل يتجاوزها ليؤسس لمفهوم التدخل الإنساني لإنقاذ المظلومين قبل أن تعرفه المواثيق الدولية بقرون.
يصرخ القرآن مستنهضا همم الأمة وموبخا المتقاعسين: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾.
المنهج الإسلامي يرفض السلبية المطلقة، ويرى أن تحرير المظلومين والمقهورين من قبضة الطغاة واجب شرعي، والأمة القوية هي التي تمتد مظلة عدلها لحماية الضعفاء في كل مكان. وفي هذا يقول الإمام القرطبي رحمه الله: “هذه الآية تتضمن الحض على استنقاذ المستضعفين من أيدي الكفرة والطغاة، وهو فريضةٌ واجبةٌ على جميع المسلمين بحسب طاقاتهم”.
المحطة الخامسة: دعوةٌ خَالِدَةٌ لِلتَّدَبُّرِ وَعِصْمَةُ الوَحْيِ
وفي خضم هذه التشريعات والأحداث، يبرز نداء قرآني عظيم يوقظ العقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. إن هذا النداء هو روح مشروعنا هذا، فالقرآن ليس طلاسم تُتلى، بل منهج يُتدبر. يقول الإمام القرطبي: “دلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه”. وفيه إثبات قاطع لعصمة هذا الوحي، فمهما تنوعت تشريعاته بين الأسرة والمجتمع والقتال، فإنها تنسجم في بناء واحد لا تناقض فيه أبداً.
المحطة السادسة: أَعْظَمُ الظُّلْمِ.. وَالتَّحْذِيرُ القَطْعِيُّ مِنَ الشِّرْكِ
ولأن العدل هو محور هذا الجزء، فإن أعظم الظلم هو الشرك بالله، لذلك جاء التقرير العقدي الحاسم مرتين في هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
يقول الإمام ابن كثير: “أي لا يغفر أن يلقاه عبد وهو مشرك به، وما عدا ذلك من الذنوب فالخيار فيه إلى الله”. إنها رسالة توازن بين الخوف والرجاء؛ تحذر من المساس بجناب التوحيد، وتفتح أبواب الأمل واسعة للعصاة الموحدين بالتوبة النصوح.
المحطة السابعة: معيار النجاة الأخروي (حاكمية العمل وسقوط دعاوى الانتماء)
نختم الجزء بقاعدة عقدية تنسف أوهام الغرور الديني. النجاة في ميزان الإسلام ليست بالانتماء الاسمي، ولا بالوراثة المجردة، بل بالعمل الحقيقي والمحاسبة الدقيقة: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾. الأماني لا تبني أمما ولا تنجي في الآخرة، بل العمل الصالح، وإقامة العدل، ورد المظالم، هي المعايير الأوحد للفوز برضا الله. وقد لخص الإمام الحسن البصري هذا المعنى الجليل في مقولته الخالدة: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل”.
الخلاصة:
يقرر الجزء الخامس حقيقة ناصعة بوضوح: الإيمان ليس مجرد طقوس تؤدى في المساجد وتنتهي عند أبوابها، بل هو أمانة ترد إلى أهلها، وعدل يقام في الأرض، ونجدة للمستضعفين، ومحاكم تنصف المظلوم وتأطر الظالم.
إن المقياس الحقيقي لإيمانك إنما يظهر جليا في طريقتك لإدارة خصوماتك المادية والأسرية، لا في حجم ادعاءاتك.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يقيم ميزان العدل في قلوبنا وأعمالنا، وأن يستعملنا في نصرة المستضعفين.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.
(اقرأ: الجُزْءِ الرَّابِعِ من سلسلة مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ “قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ”: مِنْ جِرَاحِ المَعَارِكِ إِلَى بِنَاءِ الأُسْرَةِ وَحِمَايَةِ الضُّعَفَاءِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* د. أحمد مهنا؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينة توليدو – البرازيل.
(سلسلة: مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ الخَامِسِ)
بقلم: د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
أيها القراء الكرام، بعد أن خرجنا من ميادين القتال وجراح غزوة أحد في الأجزاء السابقة، يأخذنا الجزء الخامس (سورة النساء) إلى جبهة أخرى لا تقل خطورة وأهمية: جبهة البناء الداخلي للمجتمع، وساحة المحاكم، وإرساء حقوق المستضعفين.
فالمجتمع الذي يفتقر إلى العدالة الداخلية هو مجتمع مهزوم سلفا، حتى وإن حقق انتصارات عسكرية كبرى في ساحات الوغى.
المحطة الأولى: المركزية الأسرية في ميزان العدالة (فقه الإصلاح)
يبدأ الإصلاح القرآني الدقيق من أصغر وحدة بنائية في المجتمع: الأسرة.
يعالج القرآن الخلافات الزوجية بواقعية شديدة، فهو لا يدعي وجود مدينة فاضلة تخلو بيوتها من المشاكل، بل يضع منهجية وقائية وإصلاحية متدرجة، تنتهي بتدخل حكيم ومؤسسي من العائلتين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾.
الإسلام لا يسعى لهدم البيوت عند أول عثرة، بل يبحث عن إرادة الإصلاح الصادقة ليتدخل التوفيق الإلهي: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾. ويعلق العلامة الطاهر ابن عاشور على هذا السر الرباني قائلاً: “جعل الله التوفيق حليف النية الصالحة، فمتى صدقت إرادة الحَكَمين والزوجين في الإصلاح، يسَّر الله أسبابه”.
المحطة الثانية: العدالة الإنسانية المطلقة وعالمية الإسلام (أداء الأمانات)
ثم ينتقل السياق إلى أعظم آية صاغت دستور العدالة الشاملة في الإسلام: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾.
هذا التشريع تجاوز حدود الانتماء الديني لينصف البشرية جمعاء! وفي السيرة النبوية أروع تطبيق عملي لذلك؛ ففي يوم فتح مكة، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة وكان وقتها على الشرك وقد آذى المسلمين سابقا.
تخيلوا هذا المشهد المهيب: النبي ينتصر، والكل ينتظر من سيحظى بهذا الشرف العظيم، فتتنزل هذه الآية، ليقوم النبي صلى الله عليه وسلم متجردا من كل ثأر، ويرد المفتاح إلى عثمان ويقول: (هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء).
العدل في منهجنا ليس شعارا سياسيا يرفع للموافقين، بل هو حق إنساني مطلق يشمل حتى المخالفين. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً عظمة هذه الآية: “هذه الآية هي قوام السياسة الشرعية، فعليها ينبني أداء الحقوق والولايات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالقسط”.
المحطة الثالثة: حتمية المرجعية العليا، وخطر النفاق العملي (ضمانة الدستور ورفض الشريعة)
أي مجتمع بشري معرض للاختلاف والتنازع، ولكن ما الذي يحمي بنيانه من الفوضى؟ إنه وجود مرجعية عليا معصومة نحتكم إليها جميعا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
أمام هذا النص القرآني وصحيح السنة، يقف الحاكم والمحكوم، والغني والفقير سواسية. هذه المرجعية هي السياج الواقي للمجتمع، والضمانة الحقيقية التي تمنع الاستبداد التشريعي وتحفظ الحقوق. ويوضح الإمام ابن القيم هذه القاعدة بقوله: “أجمع العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته الصحيحة بعد وفاته”.
وفي المقابل، يفتح القرآن ملفا شديد الخطورة يعري فيه المنافقين الذين يرفضون هذه المرجعية. النفاق هنا ليس مجرد التكاسل عن أداء الشعائر، بل هو الجريمة الأكبر: رفض التحاكم لشرع الله حين يتعارض مع المصالح الشخصية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا… يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾.
قد يتشدق المرء بشعارات الإيمان، فإذا جاءت قسمة الميراث أو نشب نزاع مالي، رفض حكم الله وبحث عن قانون وضعي أو حيلة يظلم بها شركاءه! هذا هو النفاق العملي الذي يفضح زيف الادعاءات. ويحذر الإمام السعدي من هذا المسلك بقوله: “فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله، فمن زعم أنه مؤمن ثم اختار التحاكم إلى غير شرع الله، فهو كاذبٌ في دعواه”.
المحطة الرابعة: فقه الاستضعاف ونجدة المظلومين (المسؤولية العالمية للأمة)
لا يقف العدل القرآني في هذا الجزء عند حدود المحاكم الداخلية، بل يتجاوزها ليؤسس لمفهوم التدخل الإنساني لإنقاذ المظلومين قبل أن تعرفه المواثيق الدولية بقرون.
يصرخ القرآن مستنهضا همم الأمة وموبخا المتقاعسين: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾.
المنهج الإسلامي يرفض السلبية المطلقة، ويرى أن تحرير المظلومين والمقهورين من قبضة الطغاة واجب شرعي، والأمة القوية هي التي تمتد مظلة عدلها لحماية الضعفاء في كل مكان. وفي هذا يقول الإمام القرطبي رحمه الله: “هذه الآية تتضمن الحض على استنقاذ المستضعفين من أيدي الكفرة والطغاة، وهو فريضةٌ واجبةٌ على جميع المسلمين بحسب طاقاتهم”.
المحطة الخامسة: دعوةٌ خَالِدَةٌ لِلتَّدَبُّرِ وَعِصْمَةُ الوَحْيِ
وفي خضم هذه التشريعات والأحداث، يبرز نداء قرآني عظيم يوقظ العقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. إن هذا النداء هو روح مشروعنا هذا، فالقرآن ليس طلاسم تُتلى، بل منهج يُتدبر. يقول الإمام القرطبي: “دلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه”. وفيه إثبات قاطع لعصمة هذا الوحي، فمهما تنوعت تشريعاته بين الأسرة والمجتمع والقتال، فإنها تنسجم في بناء واحد لا تناقض فيه أبداً.
المحطة السادسة: أَعْظَمُ الظُّلْمِ.. وَالتَّحْذِيرُ القَطْعِيُّ مِنَ الشِّرْكِ
ولأن العدل هو محور هذا الجزء، فإن أعظم الظلم هو الشرك بالله، لذلك جاء التقرير العقدي الحاسم مرتين في هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾.
يقول الإمام ابن كثير: “أي لا يغفر أن يلقاه عبد وهو مشرك به، وما عدا ذلك من الذنوب فالخيار فيه إلى الله”. إنها رسالة توازن بين الخوف والرجاء؛ تحذر من المساس بجناب التوحيد، وتفتح أبواب الأمل واسعة للعصاة الموحدين بالتوبة النصوح.
المحطة السابعة: معيار النجاة الأخروي (حاكمية العمل وسقوط دعاوى الانتماء)
نختم الجزء بقاعدة عقدية تنسف أوهام الغرور الديني. النجاة في ميزان الإسلام ليست بالانتماء الاسمي، ولا بالوراثة المجردة، بل بالعمل الحقيقي والمحاسبة الدقيقة: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾. الأماني لا تبني أمما ولا تنجي في الآخرة، بل العمل الصالح، وإقامة العدل، ورد المظالم، هي المعايير الأوحد للفوز برضا الله. وقد لخص الإمام الحسن البصري هذا المعنى الجليل في مقولته الخالدة: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل”.
الخلاصة:
يقرر الجزء الخامس حقيقة ناصعة بوضوح: الإيمان ليس مجرد طقوس تؤدى في المساجد وتنتهي عند أبوابها، بل هو أمانة ترد إلى أهلها، وعدل يقام في الأرض، ونجدة للمستضعفين، ومحاكم تنصف المظلوم وتأطر الظالم.
إن المقياس الحقيقي لإيمانك إنما يظهر جليا في طريقتك لإدارة خصوماتك المادية والأسرية، لا في حجم ادعاءاتك.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يقيم ميزان العدل في قلوبنا وأعمالنا، وأن يستعملنا في نصرة المستضعفين.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.
(اقرأ: الجُزْءِ الرَّابِعِ من سلسلة مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ “قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ”: مِنْ جِرَاحِ المَعَارِكِ إِلَى بِنَاءِ الأُسْرَةِ وَحِمَايَةِ الضُّعَفَاءِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* د. أحمد مهنا؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينة توليدو – البرازيل.
