*قراءة بيانية في آية «عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ»* التكوير: ١٤.

*د. حسن عثمان عبد النور*

كلمة *”أَحْضَرَتْ”* كانت هي المفتاح الذي فتح لي عالمًا كاملًا لم أكن أره، مفتاحًا غيّر نظرتي لمفهوم العمل والزمن والآخرة.
كثيرًا ما كنتُ أقرأ سورة التكوير، وأَمُرّ بتلك المشاهد الكونية المهيبة، من تكوير الشمس وانكدار النجوم، وسَيْرِ الجبال، لكنني كنتُ أقفز بذهني سريعًا إلى الهول العام، غافلًا عن الدقة المرعبة في اختيار هذا الفعل بالتحديد:
*”أَحْضَرَتْ”*..!!
وليس “عملت” أو “كسبت” أو “فعلت”..!؟.

*لماذا اختار الله سبحانه هذا اللفظ؟*
وكأنّ الآية تخبرني أنّ أعمالي ليست مجرد أحداث عابرة تذوب في نهر الزمن، بل هي “أمتعة” و”حقائب” أحزمها الآن، وأحملها على ظهري، وأُحضِرها معي شخصيًا إلى ذلك الموقف العظيم، فلا حقائب تُفقد في مطار الآخرة، ولا أمتعة تضلّ طريقها..!!

لقد عشتُ لحظةَ اكتشافٍ هزّت كياني حين أدركت التناسب العكسي المذهل بين دمار الكون وبقاء العمل؛
فالسورة تبدأ باثني عشر حدثًا كونيًّا مدمرًا، حيث الشمس – ذلك الجرم الهائل – تُلفّ ويذهب ضوؤها، والجبال الرواسي تُنسف وتُسيّر، والبحار تتفجر نارًا، والنجوم تتناثر.
كل هذه الثوابت الفيزيائية العملاقة تفنى وتتغير، ولكن وسط هذا الدمار الشامل، يبقى شيء واحد فقط لا يتبدد ولا يغيب: *”مَّا أَحْضَرَتْ”*.
إنها لطيفة مدهشة تخبرك أنّ عملك، ولو كان مثقال ذرة، هو أقوى وجودًا من الجبال، وأكثر ثباتًا من النجوم؛ فالنجوم تنكدر، وعملك يحضر!
هذا التقابل العجيب بين فناء الأكوان وبقاء الأعمال يضع الإنسان أمام حقيقة مرعبة:
*أنت الكائن الذي سيحتفظ “بأشيائه” حين يفقد الكون كل شيء..!!*
ثم تأملت في طول الانتظار البلاغي في السورة؛ اثنتا عشرة جملة شرطية متتالية (إذا.. وإذا.. وإذا..) تحبس أنفاسك وأنت تقرأ، تترقب الجواب: ماذا سيحدث بعد كل هذا الانقلاب الكوني؟!

لم يقل “حُوسبت نفس” أو “عُذبت”، بل *”عَلِمَتْ”*.
وهنا تكمن لطيفة نفسية عميقة؛ فالعلم هنا ليس مجرد تذكّر، بل هو “الإدراك اليقيني الكامل” لحقيقة ما معك.
في الدنيا، قد ننسى نوايانا، قد نخدع أنفسنا بمبررات واهية، قد نسمي البخل حرصًا والجبن حكمةً، لكن هناك، في لحظة “العلم” تلك، تسقط الأقنعة، وترى النفس بضاعتها التي أحضرتها على حقيقتها المجردة، دون أغلفة تجميلية.

ومن اللطائف التي استوقفتني طويلًا، ذلك التنكير المؤثر في كلمة *”نَفْسٌ”*.
في ذلك اليوم، تتلاشى القبيلة، وتختفي الجماعة، ولا يبقى إلّا “أنت” و *”مَّا أَحْضَرَتْ”*..!

*ستكون وحيدًا تمامًا مع حقيبتك..!*
لقد قادني تأمل كلمة *”أَحْضَرَتْ”* إلى معنى “التجسيد”.
فالأعمال المعنوية في الدنيا (صلاة، كذبة، صدقة، غيبة) تتحول هناك إلى “أعيان” و”ذوات” حاضرة.

هذا المعنى يتوافق مع آيات أخرى مثل *(وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)*.

تخيلتُ نفسي وأنا أدخل ذلك المشهد، لا أحمل مالًا ولا جاهًا، بل أحمل “كلماتي” التي قُلْتُها، و”نظراتي” التي أطلقتها، قد تحولّت إلى أحمال مادية أراها رأي العين.

إن الانتقال من “العمل” المجرد إلى “الإحضار” المحسوس يجعل المسؤولية أثقل؛ فأنت لم تفعل الفعل ومضى، بل أنت “صنعته” وحملته معك لتضعه اليوم أمامك.
ومن عجائب البلاغة في هذه الآية، أنّ “الإحضار” يفيد العناية والاهتمام والجهد؛ فنحن في الدنيا نقول “أحضرتُ الهدية” أو “أحضرتُ الوثائق”، ولا نستخدم هذا اللفظ إلّا مع الأشياء التي حرصنا على نقلها.
الآية تقلب مفهوم “الملكية” رأسًا على عقب:

*أنت لا تملك ما جمعت، أنت تملك ما فعلت*..!!

والله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *