بقلم: التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لا شك أن أحبَّ الأعمال إلى الله تنحصر فيما أوجب الله على عباده ابتداءً، ثم فيما يختار المؤمن من الأعمال التي يجتهد في إقامتها وفق طاقته، ومناسبة الفعل للواقع الذي يُنجَز فيه الفعل، أو التي يرى فيها فضلًا فيقدمها على غيرها، أو التي لا يعلمها ويتمنى أن يعرفها فيقيمها ولعل حديث الولاية خاص بمثل هذه الحال، في الحديث القدسي المشهور، حيث “قال الله تعالى: من عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِن أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيتُه، وإن استعاذ بي أعذتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته”[1].
ورغم أن الحديث نصَّ على أن الفرائض هي الأحب عنده سبحانه “ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِن أداءِ ما افترضتُ عليه”، فإنه لم يُهمل الأعمال التي دونها في المرتبة، من الرغبات والخيارات الفردية التي يختار المكلَّف القيام بها، من نوافل يقصد التقرب بها إلى الله، “ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه”؛ بل إنه سبحانه وتعالى يُنزلها منزلة ما أوجب على الناس، فيُقرِّب أهلها إليه بحبه لهم “حتى أحبه“.
وأمام هذه المعادلة، نحن ملزمون بالتعرف الكيفية التي ينبغي أن نفهم من خلالها أحبَّ الأعمال إلى الله؟ أهي في الفرائض أم في النوافل؟ أم في غيرهما من الأعمال؟ ثم ما هي هذه الأعمال، وما خصوصياتها؟
إن ما هو معروض بين أيدينا من أعمال قد فصَّل العلماء فيها بدراساتهم الموسعة لنصوص الوحي ومراميها: هذا من الأعمال المفروضة التي لا ينبغي التهاون فيها، مما افترض الله على الناس من فرائض وممنوعات، وهذه سنن من الفضائل التي يُستحسن الاجتهاد فيها بغرض التقرب إلى الله بها، من النوافل والسنن المؤكدة وغير المؤكدة، وغير ذلك من المباحات التي تستمد قوتها وفضلها مما يتحقق بفضلها من مصالح عامة وتحقق الخير العام.
ثم في أي سياق نضع إنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- على النفر الذين تقالُّوا عبادته -صلى الله عليه وسلم-، وقد كانوا يريدون فعل الأفضل والأحسن في تقديرهم؟ ولم يقصدوا عصيان الرسول والخروج عن مقررات الدين، كما جاء في الحديث حيث جاء “ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، قالوا: فأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”[2]؟ وأخيرًا، لماذا كان الصحابة يسألون عن أحب الأعمال إلى الله، ألأنهم يحبون معرفة الأفضل من الأعمال؟ أم من أجل معرفة كا يطيقون ولا يطيقون لكون الناس مستويات في القدرة على تحمل المتاعب؟
لقد وردت الكثير من النصوص حول تساؤلات الصحابة عن أحب الأعمال إلى الله، ولم تكن أجوبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها واحدة، وإنما كانت أجوبة مختلفة ومتنوعة: فمنهم من أجابه بقوله: الصلاة لوقتها، ومنهم من أجابه بقوله: بر الوالدين، ومنهم من قال له: لا تغضب، ومنهم من قال له: جهاد في سبيل الله… إلخ؛ بل جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، فأجابه بقوله: “الصلاة”، ثم استمر فقال: ثم مه؟ قال: “الجهاد”، قال: فإن لي والدين، فقال: “آمرك بوالديك خيرًا”، فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لأجاهدن ولأتركنهما. وكأن هذا الحديث وضع للسائل هذه الأمور الثلاثة مرتبة: صلاة فجهاد فخدمة للوالدين، الصلاة أولًا، والجهاد ثانيًا، وخدمة الوالدين ثالثًا، ولكن في أحاديث أخرى ليست بهذا الترتيب، وإنما كانت أسئلة متناثرة ومتباعدة لا يُعرف لها تاريخ جامع أو وقائع معينة خاصة، فيُفهم من خلالها فضل هذا العمل أو ذاك. عن غيره من الأعمال بالمطلق.
ولكن في حديث جامع لجملة من الأسئلة التي يمكن الاستئناس بها في لملمة هذه الفضائل الهامة ولفت الانتباه إليها، يرويه عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد. قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام. قلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة. قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: خلق حسن. قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربك عز وجل. قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر. ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا الركعتين حتى تصلي الفجر، فإذا صليت صلاة الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع في قرني شيطان، وإن الكفار يصلون لها، فأمسك عن الصلاة حتى ترتفع، فإذا ارتفعت فالصلاة مكتوبة مشهودة حتى يقوم الظل قيام الرمح، فإذا كان كذلك فأمسك عن الصلاة حتى تميل، فإذا مالت فالصلاة مكتوبة مشهودة حتى تغرب الشمس، فإذا كان عند غروبها فأمسك عن الصلاة، فإنها تغرب – أو تغيب – في قرني شيطان، وإن الكفار يصلون لها“.
وهذا الحديث بطوله قد عرض لأحب الأعمال إلى الله، وهي الانتباه إلى الأسس التي بُنيت عليها هذه الأعمال والغايات التي تهدف إليها، وليس للأعمال في ذاتها من حيث هي، فلم يتكلم عن الإسلام بوصفه معتقدات وعبادات فحسب، وإنما بوصفه سلوكات وأخلاقًا ينتجها، وقل مثل ذلك في سائر الأمور التي سأل عنها السائل، وأجابه النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا استثنينا الأعمال المنصوص عليها في عموم التوجيه القرآني والنبوي، بوصفها قواعد عامة مثل الأركان الخمسة المطلوبة لذاتها، التي هي غير قابلة للاختفاء وغير معرضة للإهمال، فإن القاعدة العامة في تحسس أحب الأعمال إلى الله، هي أنه ليس هناك عمل أحب إلى الله بالمطلق، فيما عدا المفروضات المطلوبة لذاتها، وإنما هناك مستويات ومراتب وأنواع مختلفة باختلاف مستويات الناس والزمان والمكان، وكأن أجوبة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي كانت مختلفة من سائل لآخر، تقرر أن أحب الأعمال إلى الله هي ما كان مناسبًا لطبيعة الشخص والزمان والمكان؛ لأن حب الله شيء وتفضيله أمر معتبر، ولكن هذا الاعتبار ممتد على مر الزمان والمكان والطبيعة البشرية، ولذلك لا بد من أن يكون هذا الذي يحبه الله موزعًا على هذه الساحات الكبرى، وذلك هو المعنى المناسب لقوله تعالى في الحديث القدسي: “ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِن أداء ما افترضتُ عليه… ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه”،
جمعا بين ما فرض من أساسيات وما تخير المكلف من فضائل يتقرب تنفلا، إضافة إلى تلك الأساسيات، ولذلك كان الأنسب في تقديري قراءة كل حديث وفق الحالة التي يكون عليها السائل؛ لأن تنوع أجوبة النبي عليه الصلاة والسلام على سؤال واحد ليست عبثًا، وإنما كان لمقتضيات كامنة في الشخص السائل، فتتطلب جوابًا يناسب الحالة التي كان عليها، أو لأن واقع الناس يقتضي لفت انتباههم إلى أمر هو الأفضل لذلك الواقع، أو لأن المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة يومها في تلك الفترة التأسيسية، تقتضي أن يكون أفضل الأعمال وأحبها إلى الله. ما أجاب به النبي عليه الصلاة والسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1]– أخرجه البخاري عن أبي هريرة جامع الأصول رقم 7282
[2]– اخرجه البخاري ومسلم والنسائي، عن أنس بن مالك، جامع الأصول رقم 84
