د. أحمد عيسى

منذ الولادة غير الشرعية لدولة الاحتلال عام 1948م، قامت بعدد كبير من الاغتيالات المستهدفة لأناس بعينهم، معظمهم مدنيون، لأغراض سياسية، فخلال العقود السبعة الأخيرة، دبرت دولة الاحتلال 2300 عملية اغتيال، قتلت فيها 7 آلاف شخص.

هذا ما وصل إليه رونين يرغمان، الصحفي اليهودي مؤلف كتاب «انهض واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية المستهدفة»، الذي يكشف خفايا العمليات الرئيسة وأكثر الأنشطة سرية فيها، ويستند إلى مئات المقابلات الرسمية وآلاف الملفات التي اطلع عليها حصرياً على مدار عقود من العمل الصحفي، مع تتبع الأحداث ومعها الأسئلة الأخلاقية الشائكة التي تكمن وراء حملات الاغتيال.

وعدد الاغتيالات المذكور تضاعف أضعافاً مضاعفة من أكتوبر 2023م، إلى الآن، في فلسطين ولبنان وإيران والعراق، وكان جيش الاحتلال وزع على جنوده في ديسمبر من نفس العام 10 آلاف بطاقة لعب «كوتشينة» طبع عليها أسماء ووجوه 54 من قادة المقاومة المطلوب استهدافهم بغزة.

بين التوراة المحرفة والتلمود

وخطاب الإبادة الصهيوني هذا يستخدم التوراة وأسفارها (المحرفة) لشرعنة جرائمه، ورغم التعارض الصارخ بين الصهيونية بوصفها حركة عَلمانية، والتوراة بوصفها نصاً دينياً، فقد استغلت الأولى الشريعة اليهودية لتتحقَّق لها أطماعها الاستعمارية في فلسطين(1).

تتجلى التربية التلمودية التوراتية عند اليهود بكونها ذات نزعة استئصالية تجاه غير اليهود

وبالأحرى استخدمت «التلمود» وهو روايات شفوية تناقلتها الحاخامات، حتى جمعها الحاخام يهوذا هاناسي عام 150م في كتاب سمّاه «المشناه»؛ أي تفسير التوراة، ثم شُرح «المشناه» في كتاب يسمى «جمارا»، فمنهما يتكون التلمود الذي يحتل في نفوس اليهود منزلة تزيد كثيراً على منزلة التوراة.

وفي مطلع القرن العشرين، فضحهم الأب الكاهن برانايتس، العالم الكاثوليكي المتعمق في العبرية، عضو التدريس بجامعة الروم الكاثوليك في سانت بطرسبرج، فأصدر كتاباً مدوياً «فضح التلمود.. تعاليم الحاخامين السرية»، ولكن اليهود اغتالوه في روسيا عام 1917م(2).

نزعة استئصالية

تتجلى التربية التلمودية التوراتية عند اليهود بكونها ذات نزعة استئصالية تجاه غير اليهود، على سبيل المثال، جاء في «سفر العدد»: «هو ذا شعب يقوم كلبؤة، وكشبل ينهض، لا يربض حتى يأكل الفريسة ويشرب دم القتلى» (إصحاح 23: 24).

وكما ورد في «سفر التثنية»: «ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطراباً عظيماً حتى يفنوا، ويدفع ملوكهم إلى يدك، فتمحو اسمهم من تحت السماء، لا يقف إنسان في وجهك حتى تفنيهم» (إصحاح 7: 23-24)، وفي «سفر التثنية» أيضاً: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حرباً، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف» (إصحاح 20: 10-13).

اغتيال الأنبياء!

يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران: 21)؛ جاءت الأفعال مضارعة لأن المراد يهود العصر النبوي؛ لأنهم الذين توعدهم بعذاب أليم، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم الذين قتلوا زكريا عليه السلام لأنه حاول تخليص ابنه يحيى عليه السلام من القتل، وقتلوا يحيى لإيمانه بعيسى عليه السلام، وقتلوا النبي إرمياء عليه السلام بمصر، وقتلوا حزقيال النبي عليه السلام لأجل توبيخه لهم على سوء أفعالهم.

وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام، فهو معدود عليهم بإقرارهم وإن كانوا كاذبين فيه، وقتل منشا بن حزقيال، ملك إسرائيل، النبي أشعياء عليه السلام: «نشره بالمنشار لأنه نهاه عن المنكر، بمرأى ومسمع من بني إسرائيل، ولم يحموه، فكان هذا القتل معدوداً عليهم، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنهم رضوا بها، وألحوا في وقوعها» (التحرير والتنوير لابن عاشور).

محاولات اغتيال النبي

بعد «بدر»، أرسل بنو النضير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اخرج في ثلاثة من أصحابك ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فليسمعوا منك، فاشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ابن أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته. (صحيح أبي داود).

وذكر ابن إسحاق سبباً آخر لإجلاء بني النضير، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جدار لبني النضير فهمّوا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك فانصرف، ثم كانت حادثة السم بعد «فتح خيبر».

التاريخ المظلم

تاريخ الاغتيالات الصهيونية سلسلة طويلة من العمليات الاستخباراتية والجاسوسية والعسكرية الممنهجة، بدأت قبل تأسيس الدولة عام 1948م، حيث اعتمدت العصابات الصهيونية هذه الفلسفة، فاغتالت عصابة «شتيرن» اللورد موين، وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط عام 1944م، أما الكونت السويدي فولك برنادوت المبعوث الأممي للقضية الفلسطينية، الذي أثارت اقتراحاته حفيظة الجانب اليهودي إذ عارض ضم بعض الأراضي الفلسطينية إلى الدولة اليهودية المقترحة في قرار التقسيم، كما اقترح وضع حد للهجرة اليهودية، ووضع القدس بأكملها تحت السيادة الفلسطينية، فقامت عصابتا «أرغون» التي يرأسها مناحيم بيغن و«شتيرن» التي يرأسها إسحق شامير باغتياله عام 1948م.

الحاضر المستهتر

وتكثفت بعد ذلك آلاف الاغتيالات، مستهدفة قادة فلسطينيين وعرباً ومفكرين وعلماء، لإضعاف المقاومة وتصفية العقول، وكان من أوائل عمليات الاغتيالات «الإسرائيلية» المعروفة بعد تأسيس الدولة، عملية متزامنة عام 1956م، استهدفت ضابط الاستخبارات الحربية المصرية في قطاع غزة، والملحق العسكري المصري في الأردن؛ انتقاماً من دورهما في دعم الفدائيين الفلسطينيين.

إن كانت الاغتيالات نجحت في إزالة بعض التهديدات فإنها فشلت في حل معضلة أمن دولة الاحتلال

وقارنت دارسة عمليات الاغتيال التي استهدفت شخصيات فلسطينية ذات قيمة عالية أثناء الانتفاضة الثانية، وكذلك قبلها ممن تم اغتيالهم في غزة والأردن وبيروت وروما وباريس وقبرص وأثينا والنرويج وتونس؛ ما يعنى الاستهتار بسيادة أي دولة في العالم، واتضح أن دولة الاحتلال لم ترع أي أخلاقيات أو قانون أو عرف في سياسة الاغتيال إلا القضاء على الهدف المقصود، ضاربة بعرض الحائط الخسائر في صفوف المدنيين وغير المستهدفين، والعواقب السياسية السلبية.

خطر على الجميع

إن كانت سياسة الاغتيالات الجبانة نجحت في إزالة بعض التهديدات المحددة، فإنها فشلت في توليد حل طويل الأمد لمعضلة أمن دولة الاحتلال، وأصبحت عبئاً عليها في مجالي العلاقات الدولية وحقوق الإنسان، وإن كان هذا لا يعنيها أبداً، مع دعم أمريكا وصمت الغرب، فالغطرسة والاستهتار بأرواح البشر لا يولدان إلا الدمار ورغبة الانتقام.

وتمتد تأثير الاغتيالات على المجتمعات، فعندما يغتال قائد سياسي أو زعيم ديني أو عالم نووي يشعر المجتمع كله بالصدمة الجمعية من تهديد وخوف وانقسام، والخطر واقع على الجميع، فالاغتيالات قد تصبح أداة لإرسال رسائل رمزية بأن أي شخص مخالف لدولة الاحتلال أو متعاطف مع فلسطين في أي مكان في العالم يمكن أن يكون هدفاً؛ ما يجعل العالم يعيش دائماً في خطر، إلا أن يستفيق المجتمع الدولي ويكبح جماح المعتدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *