أ. د. رمضان أبو علي
أولى القرآن الكريم الحديث عن الدواب التي تنفع الإنسان عناية كبيرة، حيث اهتم بذكرها وبيان نعمة الله فيها، حيث قال تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 8)، فمن النعم التي ينبغي شكرها تيسير وسائل النقل وتطورها، حيث اختصرت المسافات ويسرت الصعوبات، وقد أرشد الشرع الشريف المسلم إلى بعض الآداب والأدعية التي يقولها عند ركوب الدابة، تعظيما الله تعالى، وتذكيرا بقدرته، وشكرا على نعمته.
دعاء السفر
في صحيح مسلم عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ»، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: «آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ».
وفي سنن أبي داود بسند صححه الألباني عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ»، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»، ثُمَّ ضَحِكَ.
فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ»، ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي».
حكم دعاء الركوب
جاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (23/ 124): يسن للراكب إذا استوى على دابته أن يكبر ثلاثاً ثم يقرأ: (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ {13} وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) (الزخرف)، ويدعو بالدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبناء على هذا يكون حكم دعاء ركوب السيارة سُنَّة.
هل يقال الدعاء في السفر والحضر؟
تنوعت آراء العلماء في قول دعاء ركوب السيارة، هل يكون عند ركوبها للسفر فقط، أم في الحضر أيضاً؟ يعني عند كل ركوب للسيارة.
الرأي الأول: لا يقال الدعاء إلا في السفر.
قال الشيخ ابن باز: دعاء الركوب إنما يستحب عند ركوب العبد للدابة أو السيارة أو الطائرة أو الباخرة أو غيرها لقصد السفر، أما الركوب العادي في البلد أو في المصعد فلا أعلم في الأدلة الشرعية ما يدل على شرعية قراءة دعاء السفر.
ومعلوم عند أهل العلم أن العبادات كلها توقيفية، لا يشرع منها إلا ما دل عليه الدليل من الكتاب أو السُّنة أو الإجماع الصحيح. (مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، 9/ 306).
الرأي الثاني: يقال الدعاء في السفر والحضر.
قال الشيخ ابن عثيمين: ظاهر القرآن أن الإنسان كلما ركب على البعير أو السيارة أو السفينة أو القطار أن يقول: (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ {13} وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) (لقاء الباب المفتوح، 5/ 54).
والراجح قول الدعاء عند كل ركوب في السفر أو الحضر، لعموم الأدلة على ذلك، فإذا كان الحديث الأول قد نص على السفر؛ فإن حديث علي بن أبي طالب لم ينص عليه، وإنما أُتي له بدابة ليركبها، فدعا.
أثر الدعاء على المسلم
1- تحقيق الطمأنينة، فالدعاء يصل العبد بربه، ويستجلب الحفظ الإلهي.
2- استجلاب النفع والبركة، ففي الدعاء المأثور نص على طلب البر والتقوى.
3- استحضار المعاني الإيمانية، مثل التسبيح والتنزيه لله الذي خلق الدواب وسخرها، وتذكر الموت والرجوع إلى الله تعالى، وطلب الإعانة منه عز وجل على الخير، وكذلك طلب الحفظ في النفس والمال والأهل، فلا حافظ إلا هو.
4- التحقق بآداب الركوب، وهي التسمية في البدء، والتكبير عند الانطلاق، والحمد عند الوصول والعودة.
5- الحرص على الالتزام التام وعدم التعدي بالأذى على النفس أو الآخرين، تعبداً لله تعالى وطلباً لرضاه.
