أحمد الشيخ عبدالله الفضالة
«قضية الإسلام عادلة، لكنها كثيراً ما تُقدَّم بألسنةٍ ضعيفة» (الشيخ محمد الغزالي).
بهذه الكلمات التي تختصر أزمة الخطاب الإسلامي وميزان العزة فيه، تبدو سيرة البروفيسور زغلول راغب النجار شاهداً واقعياً على عالِمٍ لم تُضعف لسانه الحقائق، ولم تساوم روحه على كلمة صدق، فقد ارتقت روحه في عمّان، في 10 نوفمبر 2025م، ليفقد العالم الإسلامي قامة علمية ودعوية من أبرز رجالات العصر، ويُشيَّع جثمانه في مسجد أبي عيشة ويُدفن في مقبرة أم القطين بلواء ناعور.
وُلد د. النجار عام 1933م في قرية مشال بمحافظة الغربية، في بيت يتوارث العلم والقرآن؛ فجده إمام القرية ووالده من حفظة كتاب الله، حفظ القرآن صغيراً، وكان والده يراجع معه أخطاء التلاوة حتى وهو نائم، في مشهدٍ يجسّد البيئة التربوية التي صاغت مبكراً وعيه وإيمانه، وانتقل بعدها إلى القاهرة حيث أكمل تعليمه، وتفوق تفوقاً لافتاً منذ سنواته الأولى؛ حتى إنه حين شارك في مسابقة اللغة العربية بالثانوية فاز بالمركز الأول، بينما حلّ أستاذه في المركز الثاني والأربعين، وذلك حدث ظلّ يتردد كلما ذُكر نبوغه الأدبي والعلمي.
اختار دراسة علوم الأرض في جامعة القاهرة، ونال بكالوريوس العلوم بمرتبة الشرف سنة 1955م، وجائزة بركة لعلوم الأرض، إلا أن طريقه العلمي لم يكن ممهداً؛ فقد حالت الظروف السياسية دون تعيينه معيداً، بسبب توجهه الإسلامي؛ «الثبات على المبدأ أشقّ من حمل السلاح، لكنه الطريق الوحيد إلى النصر» (علي عزت بيغوفيتش).
كانت هذه حاله وهو يتنقل بين شركة صحارى للبترول ومناجم الفوسفات ومواقع العمل الشاقة، رافضاً أن تطفئ المحن جذوة العلم أو نور الإيمان في داخله.
ظلّ صابراً حتى نال درجة الدكتوراة من جامعة ويلز عام 1963م، وحصل على زمالة الجامعة، ثم نال الأستاذية عام 1972م، وتنقل بعدها بين جامعات عين شمس والملك سعود وقطر والكويت والملك فهد للبترول والمعادن، إضافة إلى جامعة ويلز وبريطانيا ومعاهد عليا عدة، وصولاً إلى منصبه الأخير في جامعة العلوم الإسلامية العالمية بعمّان، لقد كان حاضراً في كل مكان، يصنع أثراً، ويترك بصمة علمية ورؤية دعوية راسخة، وكما يقول ابن رشد: «العلم إذا لم يَقُد إلى الإيمان، فهو جهلٌ متنكر».
وكانت مواقفه شاهدة على شجاعة نادرة، ففي محنته في السجن، يروي رؤيا رآها قبل محاكمته؛ فقد رأى نفسه في سيارة السجن ورأى الطريق كما لم يره من قبل، ثم شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يدخل المحكمة محامياً عنه، ويطلب من القاضي تبرئته، وفي اليوم التالي تحققت الرؤيا، وتكرر المشهد كما رآه، فصدر حكم البراءة، هنا تتجلى محطات لا تصنع فقط عالماً، بل تبني إنساناً متصلاً بالله، يدرك أن العناية الإلهية لا تغيب عن أهل الصدق.
ومن المواقف التي خلدت اسمه ذلك اللقاء في وزارة الخارجية البريطانية بعد تفجيرات لندن عام 2005م، حين وقف الوفد الأزهري يدفع التهمة عن الإسلام، بينما اختار د. النجار خطاب القوة لا خطاب الاعتذار، خاطب المسؤول البريطاني قائلاً: من بدأ العدوان؟ ومن احتل بلادنا؟ ومن قتل الأبرياء في فلسطين والعراق وأفغانستان؟ فساده صمت طويل، ثم قال المسؤول: «ليت الجميع يتكلم بصدقك»!
وهنا تتجلى روح الحديث الشريف: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف»، وكأن كلماته تلك صدى لمقولة ابن تيمية: «العزة ليست في القوة المجردة، بل في كلمة الحق التي تُقال عند سلطان جائر».
ترك د. النجار إرثاً علمياً هائلاً؛ أكثر من 150 بحثاً، و45 كتاباً بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية، إضافة إلى برامجه الإعلامية، ومنها برنامجه عن الإعجاز الاجتماعي في قناة «اقرأ»، وظهوره في برنامج بلا حدود وهو يناقش أخطار الزلازل والبراكين.
ولم يكن عالماً فحسب، بل مربّياً للأجيال، ففي وصاياه الخالدة للشباب تتجسد خبرته كلها وصايا في الثبات، وتوازن الدين والدنيا، وحماية العقل من الشبهات، وجعل القرآن منهج حياة؛ (ما ضاعت أمةٌ كان للحق فيها رجالٌ يقومون به» (الإمام الشافعي).
رحم الله البروفيسور زغلول النجار؛ فقد كان عقلاً يقرأ الكون بعين الجيولوجي، وقلباً يخشى الله، ولساناً يقول الحق، ورجلاً لم يتخلَّ في يومٍ عن عزة الإسلام ولا رسالته.
ورحم الله التابعي عبدالله بن المبارك القائل: «موت العالم ثُلمة في الإسلام لا يسدّها شيء».
