كارم عبد الغفار
في روايته “دون كيخوته” حاول الكاتب الإسباني سيربانتس أن يقول شيئًا واضحًا، صارخًا، محركًا للروح والأبدان، أن يقول: يا ناس، يا خلق الله، إن حُلم التغيير مباح، والإصلاح ممكن، لكن الشغف شرط، فقط عليكم أن تضبطوا المسار، وأن تُمسكوا بأجنحة الواقع في أقصى درجات الجنون.
وبهذه الغاية صارت الرواية نفسها دليلًا على بعض مضمونها؛ وكُتب لها الانتشار والقبول والتأثير والتغيير وحشد الأحاسيس في الاتجاه الذي أراده الكاتب.. أن يغير.
إن الأدب – والفن عمومًا – يستطيع أن يُحدث شيئًا، في أضعف الأحوال أن يقوم بدور الفراشة، فبضربة جناح ضعيفة قد تغير فيزياء الفضاء الكبير، فقط إذا اجتمع الصلاح مع التوفيق الإلهي مع العزم الجاد.
مجرم يخشى “الأدباء”
كانت روسيا هي البيئة الأخصب للفساد الاجتماعي والقهر والانحدار الأخلاقي في القرن التاسع عشر وإلى أواسط العشرين، وهي أيضًا الميدان الأوسع الذي أعلن فيه الأدب عن نفسه كفاعل في الحياة، ودرع مناوئة للفاسدين، وأدرك إمكانية أن يربك الأدب الظلم ويخدش وجه البداوة والقساوة، وينادي بحقوق المسحوقين؛ لذلك ظل الأدب الروسي بقيادة النجوم الكبار دوستويفسكي وتولستوي وبوشكين ومكسيم جوركي، حتى بعد موتهم، خطرًا على الفاسدين.
وقد قالها “ستالين”، وهو أحد كبار الساسة البراجماتيين، الذي تلوثت يداه بدماء البشرية قرابة ثلاثين عامًا في القرن العشرين؛ فقد كان يدرك أن هناك مناهضًا مناديًا بالحقوق لا يستطيع وقف مدِّه أو شل حركته، ألا وهو الأدب الذي يريد التغيير، لذلك قال قولته الشهيرة: “الأدباء مهندسو البشرية”.
أدب أحيا.. وأدب قتل
ذكر الناقد العربي الكبير أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209 هـ) قصَّتين، كان الأدب فيهما حاضرًا فاعلًا، مرة بالسلب ومرة بالإيجاب، لكنه في الحالين أبرز قوته وأعلن عن سطوته في الحياة؛ فيروي لنا في القصة الأولى حكاية بيتٍ من الشعر نغَّص على قبيلة “نُمَير” حياتها، وعكَّر وجودها، وسار في العرب مسرى النار في الحطب؛ فيذكر في البدء أن الرجل من بني نمير كان إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال مفاخرًا: أنا من بني نمير بن عامر! لكن ذات يوم عبث أحد رعاة بني “نُمير” مع الشاعر الكبير “جرير” فحاول أن ينتقص من قدراته لصالح خصمه الشهير “الفرزق”، فقال الراعي النُّميري:
يا صاحبي دنا الرواحُ فسيرا * غلب الفرزدقُ في الهجاء جريرا
تلقف جرير الكلمة، فأغضبته، فصاغ بيتًا من الشعر زلزل كيان الراعي وقبيلته الكبيرة، وقيل إنه تسبب في موته، فقال:
فغُض الطَّرفَ إنك من نمير * فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
أتعدِل دِمنةً خبُثت وقلَّت * إلى فرعينِ قد كَثُرا وطابا
ومنذ ذلك الحين تهرَّب بنو نمير من اللقب، وأخفوا انتسابهم. وعلى عكس ذلك في القصة الثانية التي كان الأدب حاضرًا فيها نافعًا؛ فيذكر معمر بن المُثنَّى أن الرجل من بني أنف الناقة كان إذا سُئل: ممَّن الرجل؟ استحقر الانتساب إلى بني أنف الناقة لسوء الاسم، فيتجاوزها ويذكر لقب عائلته الكبرى من بني قريع، لكن ذات يوم استحسن الشاعر العربي الكبير الحُطيئة مدحهم، فقال فيهم:
قوم هم الأنفُ والأذنابُ غيرهم * ومن يساوي بأنف الناقة الذنبَا
ومن ذلك الحين صار الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له ممَّن أنت؟. قال مفاخرًا: من بني أنف الناقة.
جهاد بالأدب
روى الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن المؤمن ليجاهد بسيفه ولسانه”؛ فتنوع السعي مرتبط بتنوع المشارب والمهارات، وتلك رحمة من الله؛ فالجهاد في الحياة لتغييرها وتحسينها مطلوب من كل عامل يريد الإصلاح ما استطاع.
وقد يُسِّر كل مخلوق لما خُلق له، ورُزق قدرة ظاهرة أو خفية يُفسح بها لنفسه مكانًا في الحياة، ومن هؤلاء صاحب القلم، محب الأدب والفنون، يستطيع أن يتصدر قوائم العاملين، فقط عليه أن يدقق النظر فيما يحتاج إليه الناس، فالعالم يحتاج الآن إلى كل فعل إيجابي لتوجيه دفته للخير واستكمال رحلة الصلاح والإصلاح.
وفي هذا السياق كان يصف الأستاذ أحمد أمين أحوال المجتمع المصري والعربي في أواسط القرن العشرين، وهو يُحرض الأديب أن يتدخل بالإصلاح والتغيير فيقول إن هناك نفوسًا مستعدة لا تجد من يُرقِّيها، وعقولًا صالحة لا تجد من يفتِّحها، ومئات ومئات المآسي تنتظر من الأدب أن يعالجها ويشرحها ويُحللها، ولا يقتصر على إجادة وصف ما هو كائن، بل يرسم ما ينبغي أن يكون في روايته التي يضعها، وشعره الذي يصوغه، وقَصصه الذي يحكيه، ومقالاته الفنية التي يحررها، ولا يكون ذلك حتى يخرج الأديب عن عزلته وينغمس في الحياة الواقعية ويكتوي بنارها؛ فالأدباء يُلهبون بفنهم العواطف، ففائدتهم أقوى وأثرهم أبلغ بما يبعثون من حرارة الفن، وتهييج النفوس للخلاص من الشر والوصول السريع إلى الخير.
في القادسية.. الأدب يشارك
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فارس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يُدرك مكامن القوة الناعمة في الدائرة المحيطة به وسط عساكره قبل المعركة، وأراد أن يستثمر تلك القوة على أفضل نحو ممكن، وأن يحشد كل القوى النفسية لصالح المعركة الوشيكة؛ فجمع طائفة من الشعراء والخطباء والحكماء والقراء، بحسب ما يروي الطبري، ثم نادى فيهم يريد أن يشعرهم بأهمية ما ينتظره الجميع منهم. فقال لهم: “انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم، ويحق لهم عند مواطن البأس، إنكم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس فذكِّروهم وحرضوهم على القتال”.
والبعض يتداوى بالأدب
إن مطالعة الإبداع والأدب والفنون الراقية المنضبطة هي مساحات روحية يمكن المرء من خلالها أن يقفز خارج خريطة الملل والأمراض العصرية، فيستطيع أن ينجو بنفسه من ورطات الحداثة والكآبة واللهو الفاسد، إلى ميدان نقي رطيب يطبب الروح ويعيدها إلى نشاطها.
وهذا يعني أن الأدب الراقي وروافده لو لم يكن له ميزة إلا تهدئة النفس وإعادة شحنها وإعانتها على قسوة الحياة لكفى به تغييرا وكفى به نعمة.
نجيب الكيلاني فعلها
استطاع الروائي المصري الأديب د. نجيب الكيلاني أن يضع أدبًا يوازن بين حاجة الإنسان والحض على التغيير، وكذلك المتعة الفنية الراقية الباقية؛ فوضع منتوجًا بهيًّا رائقًا تنقَّل فيه على خريطة العالم الإسلامي داعمًا لقضاياه، كاشفًا لأحزانه، مُبرزًا لبطولته، عبر أعماله: الطريق إلى الله، ليالي تركستان، عذراء جاكرتا، مواكب الشهداء، وغيرها الكثير؛ فاستطاع أن يضع إطارًا متكاملًا للأدب الساعي للتغيير، بل شارك في تأسيس مدرسة أدبية ملتزمة لها ضوابط ومعايير، ومشاركة بقوة في حالة التغيير.
