الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
ليست القدس مدينة نودعها حنيننا ثم نتركها وحيدة تحت حراب الاحتلال؛ إنها قضية تختبر الأمة في عقيدتها وكرامتها وإرادتها السياسية. وفي الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى تتكثف أبعاد المشروع الاستعماري الإسرائيلي: السيطرة على الأرض، وإخضاع الإنسان، وتغيير هوية المكان ووضعه التاريخي والقانوني بقوة الاحتلال. لذلك لا يُقاس الوفاء للقدس بفصاحة التنديد، بل بقدرة الانتماء على التحول إلى موقف، والموقف إلى عمل منظم يحمي الحق ويمنع استباحته.
وقد أظهر تقرير محافظة القدس، الذي نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» في الثاني من تشرين الأول 2026، تصاعد الاقتحامات خلال موسم الأعياد اليهودية، ولا سيما عيد العرش، واتساع الصلوات والطقوس العلنية داخل المسجد الأقصى، ومشاركة مسؤولين وشخصيات سياسية إسرائيلية في الاقتحامات. ورصد التقرير، في المقابل، تقييد وصول المصلين، ومنع وجودهم وموظفي الأوقاف في الساحات خلال فترات الاقتحام، وإبعاد مقدسيين وموظفين من الأوقاف، والتضييق على التوثيق الصحفي. وهنا يتجاوز الاعتداء انتهاك حرمة المكان إلى محاولة التحكم في دخوله واستعماله وإدارته، وفرض سلطة الاحتلال على تفاصيل الحياة فيه.
وتكمن خطورة هذا المسار في تحويل الانتهاك المتكرر إلى واقع مألوف. فما يستدعي الاعتراض اليوم قد يصبح، مع ضعف الاستجابة واستمرار التكرار، إجراءً معتادًا غدًا، ثم منطلقًا لفرض تغيير جديد. هذه هي آلية فرض الأمر الواقع: توسيع الانتهاك تدريجيًا، واختبار حدود الرد، ثم البناء على ما مرّ دون كلفة مؤثرة. ويصبح الاعتياد، عندئذ، عاملًا يساعد على انتزاع الحق، ويجعل التراجع عن الوقائع المفروضة أشد صعوبة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الاقتحامات وتوسيع نطاق الطقوس وتقييد حضور المسلمين بوصفها إجراءات متكاملة تدفع نحو تغيير الوضع القائم، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على المسجد. فالتقسيم الزماني يعني تخصيص أوقات تُقيَّد فيها صلاة المسلمين أو يُمنع حضورهم لإفساح المجال لطقوس المقتحمين، والتقسيم المكاني يعني تخصيص أجزاء من المسجد لتلك الممارسات. ولذلك تقتضي المواجهة حماية وحدة الأقصى ورفض التعامل مع أي جزء منه باعتباره قابلًا للاقتطاع أو المساومة.
وللمسجد الأقصى في الوعي الإسلامي منزلة تؤسس المسؤولية وتمنحها عمقها الحضاري؛ فهو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقبلة الأولى، والمسجد الذي قرن القرآن ذكره ببركة ما حوله. وهذه الصلة أمانة تقتضي صون حرمته، وحماية أوقافه، وإسناد أهله. ويشمل اسم المسجد الأقصى كامل المساحة الواقعة داخل أسواره، بما فيها المصليات والساحات والأروقة وقبة الصخرة؛ وهو ما ينبغي أن يكون حاضرًا في الوعي العام حتى تُدرك حقيقة الاعتداء على أي جزء منه.
ولا تكتمل حماية المسجد فيما يُترك المقدسي وحيدًا، مهددًا في بيته ورزقه ووجوده؛ فالإنسان الذي يعمر المكان بالصلاة والعلم والعمل هو حامل ذاكرته وحارس استمراره. وحين يُضيَّق على السكان، وتُرهق مؤسساتهم، وتُعطَّل مصالحهم، فإن الضرر يصيب المجتمع الذي يحفظ للمدينة هويتها وحياتها، ويضعف قدرته على البقاء فيها.
ولهذا تتكثف في القدس أبعاد القضية الفلسطينية: في باب المسجد سؤال الحرية، وفي البيت سؤال البقاء، وفي الوقف سؤال الهوية، وفي الحاجز سؤال السيادة. والدفاع عنها يقتضي وصل حماية المقدسات بحماية حقوق أهلها، وإسناد المسجد بإسناد المدارس والأسواق والمؤسسات والعائلات. فلا يجوز أن تحجب صورة القبة عن أعيننا معاناة من يعيشون في ظلها، أو أن تتحول نصرة المكان إلى خطاب يغفل الإنسان.
وتقع على كل مسلم وكل عربي مسؤولية بقدر استطاعته وموقعه: معرفة واعية تواجه التضليل، وكلمة موثقة تمنع تغييب القضية، ودعم منظم عبر جهات موثوقة يعين المقدسيين على الثبات، ومقاطعة تستند إلى معلومات محققة عن الشركات والجهات المتورطة في دعم الاحتلال والاستيطان، وعمل مدني ضاغط يطالب أصحاب القرار بإجراءات مؤثرة. وللعلماء والمثقفين والإعلاميين واجب إبقاء القدس حاضرة باستمرار في الوعي العام، وللمؤسسات الأهلية واجب بناء إسناد مستدام يتجاوز فورات الغضب؛ فالدعاء يقوي العزيمة، ويصدّق الوفاءَ بذلٌ وعمل.
أما الحكومات العربية والإسلامية، فمسؤوليتها أعظم بقدر ما تملك من أدوات وتأثير. ومهما عصفت بالمنطقة الحروب والأزمات، وتزاحمت تحديات الأمن والسياسة والاقتصاد، فإن واجبها تجاه القدس والأقصى يظل ثابتًا. فالانشغال بجراح المنطقة ينبغي أن يدفع إلى تنسيق الجهود، حتى لا يستغل الاحتلال تشتتها لفرض وقائع جديدة. وتتطلب مواجهة الأخطار ترتيب الأولويات وبناء القدرة على الاستجابة لها، مع إبقاء القدس في صميم القرار السياسي.
والمطلوب موقف رسمي منسق يوظف العلاقات الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية وأوجه التعاون المتاحة لجعل الاعتداءات ذات كلفة واضحة، ويعمل على حشد الدول المؤثرة لهذه الغاية. ويمكن أن يشمل ذلك مراجعة أوجه التعاون وفق مسؤولية الجهات المعنية، وفرض تدابير موجهة على المتورطين في الانتهاكات، ومواجهة التعاملات التي تدعم الاستيطان. وتزداد فاعلية هذه الأدوات حين تقترن بمطالب محددة، وتنسيق مستمر، ومتابعة لنتائجها، بدل أن تنتهي الاستجابة عند إصدار البيانات.
ويتطلب ذلك أيضًا توثيق الانتهاكات ومتابعتها أمام الهيئات الدولية المختصة، والاستناد إلى القرارات الأممية المتعلقة بالقدس والأرض الفلسطينية المحتلة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في التاسع عشر من تموز 2024 أن الاحتلال لا يمنح إسرائيل حق السيادة على أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة. وهذه المرجعية القانونية تحتاج إلى جهد دبلوماسي منظم يحولها إلى أساس للمساءلة والضغط.
وبالتوازي، ينبغي إسناد دائرة الأوقاف الإسلامية والوصاية الأردنية على المقدسات، وتخصيص تمويل مستدام لحماية السكن والتعليم والصحة والاقتصاد المقدسي، ودعم الدفاع القانوني عن البيوت والأوقاف المهددة. فحماية الحقوق في المحافل الدولية تزداد قوة حين تسندها قدرة أهل المدينة على البقاء والعمل وصون مؤسساتهم. والإدانة التي لا تتبعها إجراءات تترك للاحتلال مجالًا لتكرار اعتداءاته، وتحمل المقدسي وحده عبء الدفاع عن أمانة تشترك الأمة في مسؤوليتها.
وتقتضي عدالة القضية توجيه بوصلة المواجهة نحو الاحتلال وسياساته والجهات المسؤولة عن الاعتداءات ودعمها. فالمسؤولية تُبنى على الفعل والمشاركة فيه، والانتماء الديني لا يمنح أحدًا رخصة للاستيلاء أو الإقصاء، ولا يبرر تحميل جماعة دينية بأسرها تبعات جرائم الاحتلال. ويمنح هذا الوضوح خطابَ الدفاع عن القدس قوة أخلاقية، ويؤكد أن نصرتها دفاع عن حق وعدالة وحرية وكرامة إنسانية.
تلك هي القدس التي تتكثف فيها القضية: قداسة تُنتهك، وشعب يُضيَّق عليه، وحقوق يُراد إخضاعها لمنطق القوة. وحمايتها تتطلب إرادة سياسية ومجتمعية مستمرة تواجه كل محاولة لفرض الأمر الواقع، وتجعل لكل اعتداء كلفة، ولكل مقدسي سندًا متينًا، وللقدس مكانها الثابت في وعي الأمة وقرارها.
